أبي حيان الأندلسي
102
تفسير البحر المحيط
* إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا * ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال بعض عرب الجاهلية : * فلو كان حمد يخلد الناس لم يمت * ولكن حمد الناس ليس بمخلد * ولكن منه باقيات وراثة فأورث بنيك بعضها وتزود * * تزود إلى يوم الممات فإنه * وإن كرهته النفس آخر موعد * وصعد سعدون المجنون تلاَّفي مقبرة ، وقد انصرف ناس من جنازة فناداهم : * ألاَ يا عسكر الأحياء * هذا عسكر الموتى * * أجابوا الدعوة الصغرى * وهم منتظروا الكبرى * * يحثون على الزاد * ولا زاد سوى التقوى * * يقولون لكم جدوا * فهذا غاية الدنيا * وقيل : أمر بالتزود لسفر العبادة والمعاش ، وزاده الطعام والشراب والمركب والمال ، وبالتزود لسفر المعاد ، وزاده تقوى الله تعالى ؛ وهذا الزاد خير من الزاد الأول لقوله : * ( فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) * . فتلخص من هذا كله ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أمر بالتزود في أسفار الدنيا ، فيكون مفعول : تزودوا ، ما ينتفعون به ، فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم من السؤال ، وأنفسكم من الظلم ، وقال البغوي : قال المفسرون : التقوى هنا : الكعك والزيت والسويق والتمر والزبيب وما يشاكل ذلك من المطعومات . والثاني : أنه أمر بالتزود لسفر الأخرة ، وهو الذي نختاره . والثالث : أنه أمر بالتزود في السفرين ، كأن التقدير : وتزودوا ما تنتفعون به لعاجل سفركم وآجله . وأبعد من ذهب إلى أن المعنى : وتزودوا الرفيق الصالح ، إلاّ أن عنى به العمل الصالح ، فلا يبعد ، لأنه هو القول الثاني الذي اخترناه . وقال أبو بكر الرازي : احتمل قوله : وتزودوا ، الأمرين من زاد الطعام وزاد التقوى ، فوجب الحمل عليهما ، إذ لم تقم دلالة على تخصيص أحد الأمرين ، وذكر التزود من الأعمال الصالحة في الحج ، لأنه أحق شيء بالإستكثار من أعمال البر فيه لمضاعفة الثواب عليه ، كما نص على خطر الفسوق ، وإن كان محظوراً في غيره ، تعظيماً لحرمة الإحرام ، وإخباراً أنه فيه أعظم مأثماً . ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما لبقاء نفعه ، ودوام ثوابه ، وهذا يدل على بطلان مذهب أهل التصوف ، والذين يسافرون بغير زاد ولا راحلة ، لأنه تعالى خاطب بذلك من خاطبه بالحج ، وعلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ) ، حين سئل عن الاستطاعة ، فقال : ( هي الزاد